ابن عجيبة
348
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
روى جابر بن عبد اللّه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام ، فقام في منازل أزواجه ، فلم يصب عندهن شيئا ، فأتى فاطمة فقال : « يا بنية ، هل عندك شئ ؟ » فقالت : لا واللّه ، بأبى أنت وأمي ، فلما خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم ، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فجاء ، فكشفت له الجفنة ، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما ، فبهتت ، وعرفت أنّها بركة من اللّه تعالى ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من أين لك هذا يا بنيّة ؟ » قالت : و مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ، فحمد اللّه تعالى ، وقال : « الحمد لله الّذى جعلك شبيهة بسيّدة بني إسرائيل ، فإنها كانت إذا رزقها اللّه شيئا قالت : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ثم بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى علىّ رضي اللّه عنه . ثم أكل أهل البيت كلهم ، وجميع أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وبقيت الجفنة كما هي ، فأوسعت على الجيران ، وجعل اللّه فيها بركة وخيرا . انتهى « 1 » . الإشارة : ( إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل ؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره ، وجددوه بعد خمود أسراره ، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء ، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية ، بحيث يجدد للناس دينهم ، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق ، فهو ممن اصطفاه اللّه على عالمي زمانه . وفي الحديث : « إنّ اللّه يبعث على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لهذه الأمة دينها » . قال الحريري : ( مات الحسن البصري عشية جمعة - أي : بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه ، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام ، إلا يوم مات الحسن ، واتبع الناس جنازته ، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر ، قال : وسمعت مناديا ينادى : ( إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ، واصطفى الحسن على أهل زمانه ) . قلت : والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف ، وتكلم فيه وهذبه . قال في القوت : وهو إمامنا في هذا العلم - يعنى علم التصوف . وقوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ . . . الآية . كلّ من نذر نفسه وحررها لخدمة مولاه ، تقبلها اللّه منه بقبول حسن ، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا ، وكفلها بحفظه ورعايته ، وضمها إليه بسابق عناية ، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم ، مما لا تحيط به العقول وغاية الفهوم ، فإذا قال لنفسه : من أين لك هذا ؟ ( قالت هو من عند اللّه إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب ) . وأنشدوا : فلا عمل منّى إليه اكتسبته * سوى محض فضل ، لا بشئ يعلّل وقال القشيري : قوله تعالى : ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ، يقال : من القبول الحسن أنه لم يطرح كلّها وشغلها على زكريا ، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا ، ليعلم لعالمون أن اللّه - تعالى - لا يلقى شغل
--> ( 1 ) إلى هنا ينتهى السقط المشار إليه سابقا في النسخة التيمورية .